لماذا تحتاج المملكة الى أخصائيين في أخلاقيات المهن الصحية؟

الملخص التنفيذي

الحيثيات والرسالة

  • تتميز الأنظمة الصحية الحديثة بدرجة عالية من التعقيد فيما يتعلق بالعلاقة بين مقدمي الخدمة (أطباء، وممرضين، وفنيين، وغيرهم) وبين المرضى وعائلاتهم، مما يترتب عليه زيادة في احتمال حدوث قضايا ونزاعات ذات جوانب أخلاقية وقانونية من قبيل حقوق المرضى، والخطأ الطبي، وترشيد استعمال الموارد، وغيرها.
  • لمجابهة هذه القضايا عملت معظم الدول المتقدمة على رأسها الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية على تأسيس نظم، وضوابط، وأجسام مهنية متخصصة في الأخلاقيات الصحية، يناط بها إرشاد العاملين الصحيين ومساعدتهم في اتخاذ القرارات ذات الطابع الأخلاقي.
  • اعتمدت كل هذه الدول تقريباً تخصص (أخلاقيات المهن الصحية Bioethicist) وأنشأت له جمعيات مهنية ومراكز تدريب في أعرق وارقى الجامعات العالمية بما في ذلك جامعات هارفارد وأوكسفورد وكامبريدج وغيرهم.
  • على المملكة ألا تتخلف عن هذا الركب العالمي – لا سيما مع النقلة الجبارة التي تُحدثها رؤية المملكة 2030 في تطوير النظام الصحي ليكون اكثر فعالية وأكثر مواءمة للمعايير العالمية بما في ذلك دول قمة العشرين (G-20) التي تترأسها المملكة حالياً، والتي تعد من أركانها حقوق المرضى وأخلاقيات المهن الصحية.

توطئة

لا يعد من قبيل المبالغة القول أن المعرفة الطبية وما صاحبها من تطور الأنظمة الصحية العالمية منذ النصف الثاني للقرن الماضي يفوق كل ما عرفته البشرية خلال المائتي سنة التي سبقته. ابتداءاً من اكتشاف المضادات الحيوية، ونجاح نقل الأعضاء وليس انتهاءاً بتسجيل الجينوم البشري، والقدرة على التعديل الجيني، ودخول الذكاء الاصطناعي في الخدمة الصحية، وما زالت العلوم -بما أتاح الله للبشر منها- تقودنا الى آفاق ابعد وأرحب، لكنها ليست بالضرورة دائماً أفضل أو أأمن.

لقد جاء هذا التقدم العلمي في النجال الصحي بثمن كان على البشرية أن تدفعه. لقد أصبحت الأنظمة الصحية اكثر تعقيداً، وأصبحت توقعات المرضى أعلى وأكثر إلحاحاً، وزادت مستويات وأنواع مزودي الخدمة بين قطاعات حكومية، وخاصة، وطوعية، وأخرى تابعة لشركات التامين. وهذا ما جعل متوسط الأعمار في معظم دول العالم – لا سيما الأكثر نمواً- اعلى، مما جعل عددا أكبر من الناس يحتاجون خدمات صحية تناسب أعمارهم لفترة أطول، وثارت الجدالات الكثيرة حول مفاهيم بداية الحياة ونهايتها، وضرورة أن تكون التدخلات الصحية مرشدة وتغلب فيها المصلحة العامة – وليس فقط رغبات المريض، أو توقعاته.

ومع هذا التعقيد وتعدد مصادر ودرجات الخدمة الصحية، ظهرت قضايا أخلاقية لم تكن ضاغطة بذات القدر قبل هذه الثورة المعرفية، من قبيل حق المريض في اتخاذ القرارات الطبية، والخطأ الطبي، وتحديد أجناس الأجنة وتغيير بعض خصائصهم الجينية، ونزع الأجهزة عن المتوفى دماغياً، بل وتعريف الموت الموجب لنزع الأجهزة، وحقوق المشاركين في الأبحاث الصحية لضمان عدم استغلالهم، وغيرها.

ومن هنا نشأ وشاع تخصص محدد تكون هذه القضايا هي محور اهتمام العاملين فيه، بحيث يكونون على معرفة أكاديمية ومهنية وتدريب كافٍ يؤهلهم لتعريف وتحليل ومعالجة القضايا ذات الطابع الأخلاقي (كما سيأتي لاحقاً)، ومن ثم تم تأسيس الجمعيات، والبرامج التدريبية، والزمالات، والدرجات العلمية التي توفرها أقسام  متخصصة، بل وصل الأمر الى تكوين هيئة خاصة للأخلاقيات الصحية تتبع للرئيس الأمريكي مباشرة (Presidential Commission for the Study of Bioethical Issues)

من هو أخصائي أخلاقيات المهن الصحية؟

هو شخص مدرب حاصل على مؤهل علمي معتمد على مستوى الدراسات العليا (الدبلوم المتخصص، الماجستير، أو الدكتوراة) في تخصص الأخلاقيات الصحية Bioethics، من جامعة معترف بها بما يؤهله لتوفير خدمات توفير الاستشارات في ما يتعلق باخلاقيات البحث العملي على البشر أو أخلاقيات الممارسة الإكلينيكية في المرافق الصحية بمستوياتها المختلفة، أو قضايا الصحة العامة من قبيل الوبائيات والجوائح وما يصاحبها من جوانب أخلاقية و/أو تدريس المواد الأكاديمية المتعلقة بأخلاقيات الطب والمهن الصحية للطلاب الجامعيين أو المتدربين في التخصصات الطبية والصحية.

ما هي التجارب العالمية في هذا التخصص؟

لا تكاد تخلو دولة من الدول العشرين الكبرى (G-20) من تخصص الأخلاقيات الصحية، بحيث تدرسه أعرق الجامعات فيها، وتعتمد شهاداتهم ويعملون ليس فقط بالمسمى العام (أخصائي أخلاقيات مهن صحية Bioethicist) بل توفر لهم وظائف في التخصصات الدقيقة الواقعة تحت هذا التخصص مثل: أخصائي أخلاقيات إكلينيكية Clinical Bioethicist، أو أخصائي أخلاقيات بحوث صحية Research Bioethicist. تنشر الجمعية الأمريكية للأخلاقيات الصحية قامة بها أكثر من 100 برنامج تدريبي في الأخلاقيات الصحية في الولايات المتحدة وحدها بما في ذلك أعرق الجامعات وأفضلها على مستوى العالم، وفيما يلي بعض الأمثلة

اسم الجهة (الجامعة أو المؤسسة)اسم البرنامج (التخصص)البلد
harvard university Harvard Medical School’s Master of Bioethics Degree Programالولايات المتحدة
harvard universityFellowship in Bioethicsالولايات المتحدة
harvard university Harvard Clinical Bioethics Courseالولايات المتحدة
stanford universityFellowship in Clinical Ethicsالولايات المتحدة
yale school of medicineProgram for Biomedical Ethicsالولايات المتحدة
New York UniversityMaster of Arts in Bioethicsالولايات المتحدة
oxford university & cambridge univeristyNational Institutes of Health Oxford/Cambridge Programmeالمملكة المتحدة
King’s College LondonBioethics & Society MScالمملكة المتحدة

ما هو الموقف الراهن في المملكة؟ وما هي الآفاق المستقبلية؟

مما لاشك فيه أن المملكة بإرثها الإسلامي والتاريخي الحضاري قد تمثلت بالالتزامات الأخلاقية الجمة المبثوثة في آي الكتاب العزيز وهدي النبي الذي وصفه ربه تعالى بأنه على خلق عظيم. غير أن التدريب المتخصص في المجال كان يتركز بشكل أساسي على تدريس الأخلاقيات الإسلامية العامة، أو (فقه الطبيب المسلم) ضمن مناهج معظم التخصصات الطبية والصحية حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

في بداية التسعينيات الميلادية ظهرت نزعة لتدريس منهج اكثر تخصصاً، لكن ظلت معظم مقررات الأخلاقيات يدرسها إما أساتذة في العلوم الإسلامية والشرعية وإما أطباء لهم اهتمام بالأخلاقيات، فاجتهدوا فقرأوا وألفوا مناهج مفيدة ولا شلك، غير أنه لا توجد وحدة أو قسم خاص بمسمى (الأخلاقيات الصحية) إلا في جامعة أو جامعتين. ومع بداية الألفية ازداد الاهتمام قليلاً وتم إنشاء برنامج ماجستير في الأخلاقيات بجامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية (بالحرس الوطني) والتي تخرج منها قرابة 15 خريجاً، وتم في العام الحالي 2019-2020م استحداث برنامج ماجستير في الأخلاقيات الصحية في جامعة الأمير سطام بن عبد العزيز (بالخرج) وقَبِل 10 متدربين، جميعهم من العاملين في قطاعات صحية مختلفة تابعة لوزارة الصحة.

كما توالت المحاولات من هيئة التخصصات لتطوير المجال فكلفت عددا من المختصين بتأليف أول كتاب يكون مرجعاً في الأخلاقيات والمهنية للمتدربين عام 2015م، وترجمة الدليل الأخلاقي للممارسين الصحيين في المملكة من العربية للإنجليزية. كما أن عددا من المختصين السعوديين قد حصلوا على درجات الماجستير والدكتوراة من جامعات في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، جمعيهم تم تحمل تكاليف دراستهم لهذه السنوات على حساب الدولة عبر برامج الابتعاث، غير أن أيَّاً من هذه الشهادات لم تعترف بها هيئة التخصصات الصحية حتى الآن. ومن المعلوم أن أي مختص قد اجتهد في تحصيل درجة علمية، وتكفلت الدولة بنفقاته، يتوقع على اقل تقدير أن يحصل على اعتماد مهني وليس فقط أكاديمي لشهاداته. كما أن عدم اعتراف هيئة التخصصات لتخصص أكاديمي معتمد وافقت عليه وزارة التعليم وسددت الدولة كامل نفقاته يعكس صورة سلبية عن مدى التنسيق أو وضوح معايير التصنيف المهني، وربما التخلف عن المعايير العالمية المعتمدة في دول العالم المتقدمة – لاسيما دول مجموعة العشرين التي تترأسها المملكة حالياً.

مقترحات للمضي قدماً

مما سبق يتضح جلياً الفرق بين وضع تدريب الأخلاقيات الصحية واعتمادها في البلدان المتقدمة الأخرى، حيث تزيد عن 100 برنامج في بلد مثل الولايات المتحدة مقارنة ببرنامجين فقط في المملكة، كما يتضح أن هناك فروقاً كبيرة بين وجود معايير اعتماد للتخصص عالمياً، بينما ترفض الهيئة تصنيف التخصص بمسماه، مما يترتب عليه قصور كبير في عدد المختصين المؤهلين علمياً ومهارياً للتعامل مع القضايا الشائكة التي تواجه الممارسين الطبيين والإكلينيكيين كل يوم، بما في ذلك قرارات مصيرية تتعلق بالحياة والموت – حرفياً.


المقالات المنسورة على الموقع تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر عن الموقف الرسمي للجمعية

%d bloggers like this: